في يوم ما نحو نهاية سنة 2002, دلني اخي على شيء مذهل. كان هذا هو احد زملائه في العمل الذي قد قام بتصميم وبناء موقع بالكامل على الانترنت. كنت شغوفاً بتصفح و استخدام الانترنت منذ مده, ولكني لم اقابل او اتعرف على احد قام قام بتأسيس ونشر موقع فعلي من قبل. لذلك كان لدي شعور بالاعجاب والغبطة من زميل اخي هذا. طلبت من اخي عنوان الموقع ولكنه لم يكن معه في ذلك الوقت. وعدني ان يعطيني اياه في وقت لاحق.
بعد يوم او يومين, دلني اخي على موقع زميله, كان العنوان هو deltavega.com. في الصفحة الرئيسية كانت هناك بعض الملاحظات والافكار والتحديثات المكتوبة مرتبة زمنياً. بعضها كان اخبارً عن قوقل او عن مواضيع تقنية اخرى, وكانت هناك مساحة للتعليق تحت كل عنصر. كانت لغة الموقع هي الانجليزية وكان تصميمه بسيطاً ورائعاً في نفس الوقت, ابتعد عن التكلف ولكن تحلى بعناصر تدل على ذوق فني وتمكن في الفوتوشوب. كان عنوانه انه “حلم رقمي”.

صورة الصفحة الرئيسية
صفحة المعلومات الشخصية كانت اول مكان زرته. عرفت عن الشاب وهواياته. عرفت أن اسمه هو طارق الحريسن, وأنه في بداية العشرينات من عمره.
تقلبت بين صفحاته, وازداد اعجابي مع كل صفحة. كان الرجل جد متعدد المواهب. فكانت هناك صفحة لرسومه بقلم الرصاص, كان فيها بعض الرسوم الكارتونيه, رسمه معينة لشخصية في لعبة فيديو جذبت انتباهي. كانت هناك رسومات اخرى بالفحم, وكانت هناك صفحة لأعمال الفن الجميل. هذا الشاب لم يبلغ الثالثة والعشرين بعد, لكنه قطع مسافات طويلة في اتجاهات مختلفة من المهارات ووسائل التعبير عن النفس. لو لم اشاهد اعماله بنفسي لما صدقت ان مجتمعنا قد يحوي اناس بهذا المستوى ولديهم هذا الدافع للتعلم والابداع وتجربة الجديد.

بعض أعماله التي عرضها في الموقع
أصبحت أزور الموقع مراراً. وكانت هناك بعض التحديثات أحياناً, اما لوحة مرسومة جديدة, أو تدوينة جديدة. كانت هناك حركة طريفة يقوم بها, كانت هناك شخصية قام برسهما, وعينها الشخصية الرسمية للموقع. وكانت هذه الشخصية تظهر بجانب التدوينات معبرة عن المشاعر التي خلف التدوينة. كل هذا يقوم برسمه بنفسه, في لمسة ابداعية وشخصية متميزة جداً.
لا أدري ما حصل بعد ذلك. قد اكون انشغلت, وقد اكون انقطعت لعدم وجود تحديثات. زرته مرة او مرتين بعد العديد من الشهور لأجد انه على حاله. اخر تدوينة مكتوبة كانت في بداية 2003. كان هذا محبطاً بعض الشيء, الرجل كان مصدر الهام شخصي بالنسبة لي. هل مل من النشر؟ هل احبطه قلة التقدير؟ هل انشغل مع وظيفة جديدة؟ سبب اخر لاحباطي هو انني كنت انوي مقابلته مرة في المستقبل, وعدم تحديثه للموقع يضعف صلتي به خاصة وأنني لا أعرفه على مستوى شخصي.
في اخر 2003 تم اغلاق الموقع لعدم تجديد النطاق. قضيت بعض الوقت في محاولة ايجاد موقعه الجديد, لم أتقبل فكرة ان يحتجب عن العالم بهذا الشكل. مضت السنين ولم أعثر له على اي وجود اخر في الشبكة. هل تبخر طارق؟
——————
قبل عدة أسابيع أرسل لي أخي هذا الرابط في رسالة فزعة مذهولة. اطلعت عليه, وأحسست كأن جداراً سقط علي.
الرابط كان رسالة من نائب رئيس جامعة استرالية عن وضع الجامعة تلك السنة. الرسالة بتاريخ مارس 2004.
17. الوفيات (تكملة)
طارق سعيد الحريسن, طالب في السنة الثانية في تخصصي ادارة الأعمال وتقنية المعلومات من الرياض, المملكة العربية السعودية. توفي في 19 مارس 2004, كان عمره 24 سنة.
ربع ساعة من التحديق المذهول في هذه الجملة. كانت مفزعة أكثر لأنها غير واضحة. هل هو نفس طارق الحريسن, deltavega نفسه؟ متى رحل الى استراليا أصلاً. كنت وأخي في قلق شديد مخلوط بالشك. هل هو نفس الشخص؟
أردنا التحقق. ولكن لا نعرف أي وسيلة للتحقق من شيء كهذا. أخي عمل معه فترة عدة أشهر فقط قبل 4 سنين, ولم يكن هناك معارف مشتركة بينهم. موقعه مغلق, ولا يمكننا استسقاء المزيد من المعلومات منه. لابد أن هناك طريقة. كيف نكذب هذا الخبر المزعج؟
بعد الكثير من البحث بدون فائدة, توصلنا الى زيارة أرشيف الانترنت (المغلق في السعودية) وزيارة نسخة قديمة من موقعه.
موقعه حول قلقنا الى رعب. اخر تدوينة (ذاتها التي رأيتها أكثر من مرة ولكني نسيت) كانت:
To keep track of the things that I’m gonna do and get in Australia, I’ve converted the wish well into a list of all that.
لأستطيع تذكر الأشياء التي أريد فعلها في أستراليا, حولت صفحة “بركة الأمنيات” في الموقع الى قائمة بتلك الأشياء
انا لله وانا اليه راجعون..
يا الهي, اذاً كان في استراليا فعلاً. هي بالفعل حقيقة. خاصة وأن النتيجة الوحيدة عند البحث عن اسمه هي رسالة الجامعة تلك اياها.
لا حول ولا قوة الا بالله. رحمه الله..
صمت أربعة سنين لأنه لم يستطع الكلام, رحمه الله.. ثم انظر بالله عليك الى هذا الطموح النادر, يدرس في جامعة في أقصى الأرض تخصصين مختلفين قويين. ثم يمضي في كل كبرياء, وهدوء, وغربة..
احساس عارم بالغبن يسود عندما يرحل أحد العباقرة الذين تعول عليهم كثيراً ليصنعوا مستقبلاً طموحاً حالماً, خاصة عند رحيلهم في مقتبل أعمارهم. هذا الرائد في استخدام التقنية وتطويعها, هذا الذي تعلم البرمجة, والموسيقى, والرسم, والتصميم, واللغة الانجليزية وبرع فيها كلها قبل حتى أن يبدأ دراسته الجامعية. بل حتى أنه ولم يكتفي بذلك كله, ولكنه قام أيضاً بصنع لعبة فيديو, بعالمها الخاص, وبقصة مثيرة, وجذبت معجبين يلعبون بها لسنين بعد وفاته. كيف يستطيع شخص فعل كل ذلك في هذا البلد الذي امتاز بدفن الأبداع, وقتل التميز الفردي, ووأد كل تفكير بطرق جديدة. طارق لم يكن شخصاً عادياً..
لا حول ولا قوة الا بالله. رحمه الله..
عند المزيد من البحث, وجدت هذا التعليق الذي كتبه مجهول في صفحة تنزيل اللعبة التي صنعها.
أكتب بكل أسى في هذه الصفحة لأخبر جميع من جرب هذه اللعبة أنه لن تكون هناك أي تحديثات اضافية لهذه اللعبة. مبتكر ومبرمج هذه اللعبة توفي في 19 مارس 2004. كان عمره 24 سنة. سبب موته هو سكتة قلبية. أنا صديق له, وسمعت من بعض معارفه أنه كان من الممكن أن لديه حالة في القلب منذ ولادته هي التي تسببت في هذا. رحمه الله, ولعل هذه اللعبة تكون شاهداً على ابداعه وما كان سيحصل اذا لم يتوف.
تتضح أخيراً كل أجزاء اللغز. سكتة قلبية, قبل اسبوعين من يوم ميلاده الخامس والعشرين.
كثيرة أوجه الشبه مع هديل رحمها الله. وكأن هناك نمطاً لرحيل عباقرتنا في شبابهم. ولكن بعكس هديل, لم يعرف الكثير عن هذا الفذ وقصته. لذلك وجدته من الأهمية ان يقدم كمثال, مختلف نوعاً ما عن هديل, لنموذج من البشر يندر تواجدهم عندنا, مع حاجتنا العارمة الى أمثالهم. نموذج من البشر يجعلك تشعر بالتواضع تجاه ما عملت في حياتك. نموذج من البشر هم دليل على أنه مع علاتنا كمجتمع, وظلام حقبتنا التاريخية المعاصرة, الا اننا لم نعدم القدرة على انجاب العباقرة والمبدعين. لا نبرزهم ونسمع عنهم بالقدر الكافي, هذا صحيح, ولكنهم موجودين.
——————
قضيت الكثير من الوقت في استرجاع موقع طارق من أرشيف الانترنت. استطعت الحصول على أغلب الصفحات والصور, وتعذر الحصول على البعض. قمت برفعه وعمل بعض التعديلات عليه. فمثلاً كل التدوينات موجودة في الصفحة الرئيسية الان. التعليقات على التدوينات غير موجودة, بعض الروابط لا تعمل, والقليل من الصور لم تتم أرشفتها. ولكن الموقع بشكل عام سليم ويمكن مطالعة أغلب محتوياته.
يمكن زيارة الموقع اما بالضغط هنا, أو على شعار “DeltaVega” على اليسار تحت تقسيم “أفتقدهم”.

هذه قصة أحد أبطالي, وأحد أوائل المدونين السعوديين. DeltaVega, طارق الحريسن, رحمه الله ورفعه في عليين. تذكروه, وادعو له بالرحمة..